الخطبة الأولى: في بدء الخلق
Sermon 1: On the Beginning of Creation
| النص | الشريف الرضي | ابن أبي الحديد المعتزلي |
|---|---|---|
1 الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، وَلاَ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ، وَلاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ | يبدأ أمير المؤمنين عليه السلام خطبته بحمد الله تعالى، مشيراً إلى عظمة الله التي لا يمكن للبشر أن يصفوها حق وصفها. فالقائلون لا يبلغون كنه مدحته مهما اجتهدوا، والعادّون لا يحصون نعمه وإن عدّوا. | هذا الافتتاح بالحمد يدل على التواضع أمام عظمة الخالق. المدحة هنا بمعنى الثناء والذكر الجميل. وقوله "لا يبلغ" إشارة إلى قصور اللغة البشرية عن وصف الكمال الإلهي. |
2 الَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ | يواصل الإمام وصف عظمة الله، فلا تدركه الهمم مهما علت، ولا تناله الأفهام مهما دقت. فالله سبحانه وتعالى فوق إدراك العقول. | الهمم جمع همة، وهي العزيمة والإرادة العالية. والفطن جمع فطنة، وهي حدة الذهن. المعنى أن الله لا تحيط به العقول مهما بلغت من الذكاء والفطنة. |
3 الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ | يبين الإمام أن الله لا حد لصفاته، ولا نعت يحيط به، ولا وقت يحصره، ولا أجل يحده. فهو الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء. | هذا السجع البديع يؤكد تنزيه الله عن الحدود الزمانية والمكانية. فليس له حد في الصفات، ولا نعت في الأسماء، ولا وقت في الوجود، ولا أجل في البقاء. |
4 فَطَرَ الْخَلاَئِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ | يذكر الإمام من آيات قدرة الله: خلق الخلائق من العدم، ونشر الرياح رحمة للعباد، وجعل الجبال أوتاداً للأرض لتثبيتها. | الفطر هو الخلق والإيجاد من العدم. ونشر الرياح من رحمته لأنها تحمل السحاب وتلقح النبات. والميدان هو الاضطراب، فالجبال تمنع الأرض من الاضطراب. |
5 أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ | يبين الإمام أن أساس الدين معرفة الله، وكمال المعرفة هو التصديق الجازم به، وكمال التصديق هو توحيده وتنزيهه عن الشريك. | هذا الترتيب المنطقي يبدأ بالمعرفة العقلية، ثم ينتقل إلى التصديق القلبي، ثم يرتقي إلى التوحيد الخالص. وهو سلم معرفي متدرج. |
6 وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلاَصُ لَهُ، وَكَمَالُ الإِخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ | يواصل الإمام السلم المعرفي: كمال التوحيد هو الإخلاص له في العبادة، وكمال الإخلاص هو تنزيهه عن مشابهة صفات المخلوقين. | نفي الصفات هنا يعني تنزيه الله عن الصفات الحادثة والمشابهة للمخلوقات، لا نفي صفات الكمال عنه. فالله متصف بصفات الجلال والكمال المطلق. |
7 لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ | يعلل الإمام نفي الصفات المشابهة للمخلوقات: لأن الصفة غير الموصوف، والموصوف غير الصفة. فلو كانت صفات الله كصفات المخلوقين، لكانت زائدة على ذاته. | هذا برهان عقلي دقيق على أن صفات الله ليست زائدة على ذاته، بخلاف صفات المخلوقات. فصفات الله عين ذاته، لا زائدة عليها. |
8 فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ | يحذر الإمام من وصف الله بصفات المخلوقين، لأن ذلك يؤدي إلى التشبيه والتجزئة. فمن وصفه بصفة زائدة فقد جعلها قرينة له، ومن قرنه فقد جعله اثنين (ذات وصفة). | هذا تحذير من الوقوع في التشبيه والتجسيم. فالله واحد أحد، لا يتجزأ ولا يتبعض. ووصفه بصفات المخلوقات يؤدي إلى التعدد والتجزئة. |
9 وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ | يواصل التحذير: من جزّأ الله فقد جهله، لأن الله لا يتجزأ. ومن جهله فقد أشار إليه كما يشار إلى المحسوسات، والله منزه عن ذلك. | الإشارة الحسية تدل على المكان والجهة، والله منزه عن المكان والجهة. فمن أشار إليه بالحس فقد جعله جسماً محدوداً، وهذا جهل به. |
10 وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ: فِيمَ؟ فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ: عَلاَمَ؟ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ | يختم الإمام بيان التنزيه: من أشار إليه فقد حده بمكان، ومن حده فقد عده من المحدودات، ومن قال فيم (في أي مكان) فقد جعله مضموناً في مكان، ومن قال علام (على أي شيء) فقد جعل هناك شيئاً خالياً منه. | هذه السلسلة المنطقية تنتهي بتنزيه الله عن المكان والجهة والحد. فالله موجود لا في مكان، ومحيط بكل شيء لا بالجهات. هذا غاية التوحيد والتنزيه. |