← العودة

المسألة الثانية: في علم الله بالجزئيات

God's Knowledge of Particulars

هل يعلم الله الأمور الجزئية المتغيرة؟

الغزالي - تهافت الفلاسفةابن رشد - تهافت التهافت
1إنكار الفلاسفة لعلم الله بالجزئيات
ذهب الفلاسفة إلى أن الله لا يعلم الجزئيات المتغيرة، وإنما يعلم الكليات فقط. وعلّلوا ذلك بأن العلم بالجزئيات يستلزم التغيّر في ذات العالم، لأن الجزئيات متغيرة، فمن علمها يتغير علمه بتغيرها. والله منزّه عن التغيّر. وهذا كفر صريح، لأنه يلزم منه أن الله لا يعلم الحوادث، ولا يعلم ما يفعله العباد، ولا يعلم من يطيعه ومن يعصيه. وهذا إنكار للعلم الإلهي وتعطيل لحكمة الله وعنايته بخلقه.
1
ما نسبه الغزالي إلى الفلاسفة باطل وافتراء. فالفلاسفة لم يقولوا إن الله لا يعلم الجزئيات، بل قالوا: إن علم الله بالجزئيات ليس كعلم المخلوقين. فالمخلوق يعلم الجزئيات بعد وقوعها، وعلمه يتغير بتغيرها. أما الله فيعلم الجزئيات علماً كلياً أزلياً، يحيط بها من حيث هي معلومة له، لا من حيث هي واقعة في الزمان. فعلم الله واحد بسيط لا يتكثر ولا يتغير، وهو يشمل الكليات والجزئيات على السواء. ومثال ذلك: أن الله يعلم كسوف الشمس قبل وقوعه وحين وقوعه وبعد وقوعه، بعلم واحد أزلي لا يتغير. فالتغيّر في المعلوم لا في العلم. وهذا أشرف وأكمل من القول بأن علم الله يتجدد ويتغير بتغير المعلومات.
2استحالة علم الله بالجزئيات المتغيرة
قال الفلاسفة: لو علم الله الجزئيات المتغيرة لتغيّر علمه، ولو تغيّر علمه لتغيّرت ذاته، لأن علم الله عين ذاته عندهم. وهذا يستلزم أن يكون الله محلاً للحوادث، وهو محال. ونحن نقول: هذا باطل، لأن الله يعلم الجزئيات بعلم أزلي لا يتغير. فهو يعلم أن زيداً سيولد في وقت كذا، ويموت في وقت كذا، ويفعل كذا وكذا. وهذا العلم قديم لا يتجدد. والتغيّر في المعلوم لا في العلم، فليس في ذات الله تغيّر البتة.
2
ما ذكره الغزالي هنا هو عين مذهب الفلاسفة، وهو يظن أنه يرد عليهم. فالفلاسفة يقولون: إن علم الله أزلي لا يتغير، وإن التغيّر في نسبة المعلومات إلى الوجود، لا في العلم نفسه. وهذا ما يسمّيه الفلاسفة "العلم الكلي بالجزئيات". فالله يعلم زيداً علماً كلياً يشمل جميع أحواله، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، بعلم واحد لا يتجدد. وهذا أكمل من تصور المتكلمين الذين يقولون بتجدد العلم وحدوثه، فإنهم يُدخلون الحوادث في ذات الله. وأما نحن فننزّه الله عن ذلك، ونثبت له علماً أزلياً ثابتاً لا يتغير.