← العودة

المسألة الأولى: في قِدَم العالم

The Eternity of the World

هل العالم قديم أزلي أم محدَث حادث؟

الغزالي - تهافت الفلاسفةابن رشد - تهافت التهافت
1موقف الفلاسفة
زعم الفلاسفة أن العالم قديم بقِدَم الله، وأنه لم يزل موجوداً معه. وقالوا: إن القول بحدوث العالم يستلزم أن يكون الله قد تغيّر من حالٍ إلى حال، فكان غير خالق ثم صار خالقاً، وهذا محال لأن الله لا يتغير. وقالوا أيضاً: لو كان العالم حادثاً لكان حدوثه في وقت دون وقت، فلِمَ حدث في هذا الوقت ولم يحدث قبله؟ فإن قيل لإرادة الله، قلنا: فالإرادة إن كانت قديمة فلِمَ تأخر المراد؟ وإن كانت حادثة فهي محتاجة إلى إرادة أخرى، وهلم جرّاً إلى ما لا نهاية.
1
ما ذهب إليه الغزالي من تكفير الفلاسفة في هذه المسألة باطل. فالفلاسفة لا يقولون إن العالم قديم بالمعنى الذي يقول به المتكلمون في قِدَم الله. بل يقولون: إن العالم محدَث من جهة أنه معلول لله، قديم من جهة الزمان. وهذا ليس كفراً، بل هو تأويل للنصوص الشرعية. والقرآن لم يصرّح بأن العالم مخلوق من عدم محض، بل قال: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}، فدلّ على أن المادة كانت موجودة قبل الخلق. وأما حجة الإرادة فجوابها: أن إرادة الله قديمة أزلية، والمراد قديم بقِدَمها من جهة العلّية، وإن كان محدَثاً من جهة الزمان.
2استحالة حوادث لا أول لها
قال الفلاسفة: يجوز أن يكون العالم قديماً وأن تكون فيه حوادث لا أول لها. وهذا باطل، لأن الحوادث إذا لم يكن لها أول، فقد مضى من الأيام والسنين ما لا نهاية له. وهذا محال، لأن ما لا نهاية له لا يُتصوّر مروره وانقضاؤه. فإذا قيل: كم دورة دارت الشمس منذ الأزل؟ فإن قلتم: عدد لا نهاية له، قلنا: فكم دارت الشمس والقمر معاً؟ فإن قلتم: عدد لا نهاية له أيضاً، قلنا: فالعددان متساويان مع أن أحدهما ضعف الآخر، وهذا تناقض ظاهر.
2
هذه الشبهة مبنية على الخلط بين اللامتناهي بالفعل واللامتناهي بالقوة. فالحوادث الماضية لا متناهية بالقوة لا بالفعل، أي أنها لا نهاية لها من جهة الماضي، ولكنها في كل لحظة محدودة ومعدودة. ومثال ذلك الأعداد: فإنها لا نهاية لها من جهة الزيادة، ولكن كل عدد محدود في نفسه. وأما قولهم إن دورات الشمس ودورات القمر متساوية مع أن إحداهما ضعف الأخرى، فجوابه: أن التساوي والتفاضل إنما يكونان في المحدود المتناهي، أما في اللامتناهي فلا معنى للتساوي ولا للتفاضل. فهذا كما لو قيل: هل الأعداد الزوجية تساوي الأعداد الفردية؟ فالسؤال نفسه باطل، لأن كليهما لا متناهٍ.
3أدلة المتكلمين على الحدوث
احتج المتكلمون على حدوث العالم بحدوث الأجسام، وحدوث الأجسام ثابت من جهة حلول الحوادث فيها. فالأجسام لا تخلو من الحوادث كالحركة والسكون، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. وذلك لأن الحوادث محدَثة قطعاً، فلو كان محلّها قديماً لجاز أن يتقدم القديم على الحادث، ولجاز أن يوجد القديم قبل الحادث بزمان لا نهاية له، وهذا باطل. فثبت أن العالم بأسره محدَث حادث، مخلوق بعد أن لم يكن.
3
هذا الدليل فاسد من وجوه: أولها أن قولهم "ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث" دعوى بلا برهان. فلِمَ لا يجوز أن يكون الجسم قديماً وتحل فيه حوادث لا أول لها؟ والقول بامتناع ذلك يحتاج إلى دليل ولا دليل. وثانيها أن هذا الدليل يلزم منه إبطال وجود الباري تعالى، لأن الباري عندهم قديم ولا يخلو من صفات الإرادة والعلم، وهي متعلقة بالحوادث، فيكون القديم لا يخلو من التعلق بالحوادث. فإن جاز ذلك في الباري، فلِمَ لا يجوز في العالم؟ وثالثها أن القرآن لم ينص على أن العالم مخلوق من عدم صِرف، بل الظاهر من الآيات أن الله خلق الأشياء من مادة سابقة.